من المغرب إلى القارات الخمس، ومن عدّاء جامعي إلى خبير دولي في هندسة سباقات الطريق، تبدو مسيرة رشيد بنمزيان أشبه بسباق طويل اختار فيه أن ينتقل من ممارسة ألعاب القوى إلى صناعة الحدث الرياضي نفسه، حيث يعود اسمه إلى الواجهة نهاية شهر غشت الجاري من بوابة ماراطون مكسيكو، حيث أوكلت إليه مهمة مدير السباق، في محطة جديدة من مسار مهني راكم خلاله خبرات تمتد لأكثر من عقدين.
لم يأت اسم رشيد بنمزيان إلى ماراطون مكسيكو من فراغ. فالمغربي، المولود بالمغرب والمقيم في هولندا منذ أكثر من ثلاثة عقود، راكم منذ بداية الألفية خبرة متخصصة في تنظيم سباقات الطريق وتدبير مشاركة العدائين النخبة، قبل أن يتحول تدريجيا إلى واحد من الأسماء المعروفة في الدوائر الدولية لرياضة الماراطون. وتؤكد الجمعية الدولية للماراطونات وسباقات المسافات AIMS أنه أسس وأدار عدة شركات متخصصة في التسويق الرياضي وإدارة سباقات الجري، وأنه اشتغل منذ 2003 في إدارة العدائين النخبة لحوالي 50 سباقا محليا ودوليا.
قبل أن يصبح اسما وراء كواليس الماراطونات الكبرى، راكم بنمزيان تجربة لم تتوقف عند حدود المضمار والطريق؛ إذ سرعان ما انتقل إلى الجانب الآخر من المنافسة: التخطيط، واستقطاب العدائين، والإدارة التقنية، إلى ضبط المسارات، وربط السباقات بالمنظومة الدولية.
وتكشف سيرته المهنية أن هذا الانتقال كان تدريجيا. فقد شارك بنفسه في ماراطونات دولية، من بينها نيويورك سنة 2000، وموناكو سنة 1997 وبرابانت في هولندا سنة 1991، قبل أن يصبح لاحقا مديرا ومتعهدا للسباقات والعدائين النخبة.
لا يمكن فهم خصوصية تجربة الرجل الذي لا ينظر إلى الماراطون باعتباره مجرد سباق لمسافة 42,195 كيلومترا، وإنما باعتباره منظومة متكاملة تحتاج إلى إدارة دقيقة للرياضيين، والمسار، والتوقيت، واللوجستيك، والإعلام، والشركاء والجمهور.
من أبرز ما يميز المسار المهني لبنمزيان اتساع خريطة اشتغاله. فقد ارتبط اسمه بسباقات في المغرب وأوروبا وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، من بينها ماراطون أثينا، وفالنسيا، وسانتياغو، وأبوظبي، وجزر الكناري، فضلا عن ماراطوني أكادير ومراكش، حيث كانت الجمعية الدولية للماراطونات وسباقات المسافات قد أشارت إلى دوره في تطوير سباقات بالمغرب وليبيا والجزائر، ومساهمته في إدماج عدد منها ضمن شبكة AIMS الدولية.
وتكتسب خبرته العالمية من خلال محطة ماراطون أثينا تحديدا رمزية خاصة؛ فالسباق الذي يقام في موطن الأسطورة التاريخية للماراطون يستقطب عشرات الآلاف من المشاركين، حيث كان بنمزيان مسؤولا عن جوانب مرتبطة بإدارته التقنية واستقطاب عدائي النخبة. كما ارتبط اسمه بماراطون مراكش الذي كان من السباقات الإفريقية التي عادت إلى الأجندة الرسمية لـAIMS بعد فترة من التوقف.
في شتنبر 2018، حصلت مسيرة بنمزيان على اعتراف مؤسساتي دولي لافت، عندما انتخب عضوا في المكتب التنفيذي للجمعية الدولية للماراطونات وسباقات المسافات خلال مؤتمرها في تالين بإستونيا. كان ذلك حدثا ذا دلالة بالنسبة للمغرب، إذ أشارت مصادر صحافية مغربية آنذاك إلى أن بنمزيان أصبح أول مغربي يصل إلى المكتب التنفيذي للجمعية، مستفيدا من خبرة تجاوزت آنذاك عقدين في إدارة التظاهرات الرياضية الكبرى.
والأهم أن عضويته لم تكن مجرد حضور رمزي؛ فالموقع الرسمي لـAIMS يوضح أنه كان عضوا في مجلس الإدارة، وممثلا لمنطقة المغرب والشرق الأوسط، وأنه ساهم في تطوير وإقامة سباقات في المنطقة، خصوصا في الإمارات العربية المتحدة.
في المغرب، ارتبط اسم بنمزيان بعدد من المحطات المهمة في سباقات الطريق، خصوصا ماراطون أكادير الدولي الأخضر وماراطون مراكش الدولي، إلى جانب مساهمته في استقطاب عدائين دوليين إلى تظاهرات وطنية، وكذا نصف ماراطون العيون الدولي، حيث ظهر بصفته وكيلا لعدائين دوليين، بينما عهد إليه في مناسبات أخرى بتدبير سباقات مغربية، من بينها نصف ماراطون أزيلال الدولي وماراطون فجيج. وتشير معطيات مسيرته الرياضية إلى أنه تولى سنة 2023 إدارة نصف ماراطون أزيلال، موازاة مع ارتباط اسمه بإدارة ماراطون مكسيكو لدورتي 2022 و2023، فضلا عن تكليفه بإدارة ماراطون أثينا في 2023، وهي كلها تجارب تكشف أن بنمزيان لم يعد مجرد منظم سباقات، بل أصبح وسيطا بين منظومة العدائين المحترفين ومنظمي التظاهرات، وهي وظيفة تتطلب شبكة علاقات دولية واسعة وفهما دقيقا لمتطلبات رياضة النخبة.
يشرح بنمزيان أن ماراطون مدينة مكسيكو ليس سباقا عاديا، فالنسخة التي أُسندت فيها لبنمزيان مهمة مدير السباق منذ سنة 2022 كانت تحمل تصنيف World Athletics Gold Label، وكان عدد المشاركين المسجلين، بما في ذلك المسافات الأقصر، في حدود 65 ألف مشارك. كما أن السباق يجرى على ارتفاع يقارب 2200 متر عن سطح البحر، ما يجعل عامل الارتفاع أحد التحديات التقنية الكبرى أمام العدائين والمنظمين. وقد أثبت السباق قدرته على إنتاج مستويات تنافسية عالية؛ ففي نسخة 2023، سجل البوليفي هيكتور غاريباي توقيت 2:08:23، محطما الرقم القياسي السابق للماراطون، وهو ما جعل المنظمين يوكلون إلى رشيد بنمزيان الخبير المغربي تدبير هذا النوع من السباقات، ثم يتجدد حضوره في ماراطون مكسيكو في غشت 2026، يختصر جانبا مهما من مساره: الثقة الدولية التي تُبنى بالتراكم، وليس بالصدفة.
