حطت بعثة تضم ممثلين عن شركات وهيئات إيطالية رحالها، بمدينة الدار البيضاء، في إطار مهمة اقتصادية تستهدف استكشاف فرص الاستثمار والشراكة في مشاريع السكك الحديدية والنقل الحضري بالمغرب، بالتزامن مع الاستعدادات الكبرى التي تعرفها المملكة في أفق سنة 2030.
وتقود الوكالة الإيطالية للتجارة الخارجية هذه المهمة، بتنسيق مع وزارة الخارجية الإيطالية والسفارة الإيطالية بالمغرب وعدد من المؤسسات المهنية التي تمثل شركات متخصصة في الهندسة والتجهيزات والبنية التحتية، وذلك بهدف تعزيز حضور الصناعة الإيطالية في المشاريع المغربية المقبلة.
ولا تقتصر أهداف الوفد الإيطالي على البحث عن صفقات لتوريد المعدات، بل تمتد إلى بناء شراكات صناعية طويلة الأمد، تقوم على نقل التكنولوجيا والخبرات وإحداث أنشطة إنتاجية داخل المغرب، بما ينسجم مع توجه المملكة نحو تطوير قاعدة صناعية محلية مرتبطة بقطاع السكك الحديدية.
وأكد مدير الوكالة الإيطالية للتجارة الخارجية بالدار البيضاء، لويجي دابريا، أن قطاع السكك الحديدية بات يشكل أحد المجالات الاستراتيجية في مسار تطوير البنية التحتية بالمغرب، فيما أبرز القنصل العام لإيطاليا بالدار البيضاء، فرانشيسكو كابيتشي، حجم الفرص المتاحة أمام الشركات الإيطالية، خصوصا في قطارات السرعة العالية والنقل الحضري وأنظمة الإشارات والكهربة والهندسة.
وتشمل المباحثات أيضا إمكانية إقامة مشاريع إنتاجية مشتركة داخل المغرب، بما يسمح بتوطين التكنولوجيا ورفع حصة التصنيع المحلي في المعدات والأنظمة السككية، وهو توجه تراهن عليه المملكة لتحويل الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية إلى رافعة لتطوير صناعة وطنية مستدامة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يواصل فيه المكتب الوطني للسكك الحديدية تنفيذ برنامج استثماري يمتد إلى أفق 2030، وتقدر كلفته بنحو 87 مليار درهم. ويشمل البرنامج تمديد خط القطار فائق السرعة من القنيطرة نحو مراكش، إلى جانب تطوير شبكات للسرعة في عدد من التجمعات الحضرية الكبرى، وتحديث أجزاء من الشبكة الحالية واقتناء معدات وتجهيزات جديدة.
وبحسب المعطيات التي تستند إليها الوكالة الإيطالية، يطمح المغرب على المدى المتوسط والبعيد إلى تطوير شبكة للقطارات فائقة السرعة تتجاوز 1300 كيلومتر، إلى جانب نحو 3800 كيلومتر من الخطوط التقليدية، مع رفع عدد المدن المرتبطة بالقطار من 23 حاليا إلى 43 مدينة.
كما يرتبط هذا التوسع بتطوير منظومات النقل الحضري وتعزيز الربط السككي بين المراكز الاقتصادية والصناعية والموانئ الكبرى، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، بما يدعم حركة المسافرين والبضائع ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وتكتسب المشاريع المرتبطة بالنقل أهمية إضافية في ظل الاستعدادات المغربية لاحتضان كأس العالم 2030، وما يرافقها من ارتفاع مرتقب في الطلب على وسائل النقل الجماعي وتحديث البنية التحتية في عدد من المدن والمناطق.
وفي المقابل، يتجاوز الرهان المغربي مسألة اقتناء التكنولوجيا والمعدات الجاهزة، ليصل إلى بناء منظومة صناعية قادرة على إنتاج جزء متزايد من احتياجات قطاع السكك الحديدية محليا، وتطوير قدرات وطنية في مجالات الهندسة والصيانة والخدمات المرتبطة بالنقل السككي.
وفي هذا السياق، تدفع الصناعة السككية المغربية باتجاه إنشاء منظومة أكثر تكاملا، قادرة مستقبلا على تلبية حاجيات السوق الوطنية، وفتح المجال أمام تصدير المنتجات والخدمات إلى الأسواق الإفريقية، خاصة مع تنامي الطلب على مشاريع النقل والبنية التحتية بالقارة.
وتعكس طبيعة الوفد الإيطالي وحجم المجالات التي تشملها مباحثاته توجها نحو بناء حضور صناعي مبكر داخل دورة استثمارات كبرى ستعيد تشكيل منظومة النقل السككي بالمغرب خلال السنوات المقبلة، في وقت تبحث فيه المملكة عن شركاء يجمعون بين التكنولوجيا والخبرة والقدرة على التصنيع المحلي ونقل المعرفة.
وبذلك، يبدو أن التعاون المغربي الإيطالي في قطاع السكك الحديدية يتجه نحو مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من علاقة تقوم أساسا على توريد المعدات إلى شراكات صناعية واستثمارية قد تجعل من المغرب منصة للإنتاج والتطوير والتصدير نحو الأسواق الإفريقية.
