يشهد قطاع الصيد البحري على المستوى العالمي تحولات متسارعة فرضتها التطورات التكنولوجية، ومتطلبات السلامة البحرية، والبحث عن مزيد من النجاعة الاقتصادية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى التخلي تدريجياً عن بناء سفن الصيد الخشبية، والتوجه نحو تصنيع سفن حديثة من الفولاذ، تتميز بصلابة أكبر، وعمر تشغيلي أطول، وتكاليف تشغيل وصيانة أقل على المدى البعيد.
وفي المغرب، ورغم ما راكمته أحواض بناء السفن الخشبية من خبرة امتدت لعقود، فإن المرحلة الحالية تفرض إعادة النظر في هذا النموذج الصناعي، والانخراط في تطوير صناعة بحرية حديثة تعتمد على السفن الفولاذية، انسجاماً مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز الاقتصاد الأزرق، وتحديث الأسطول البحري، والرفع من تنافسية الصناعة الوطنية.
شكلت السفن الخشبية لعقود العمود الفقري لأسطول الصيد البحري المغربي، غير أن التحولات المناخية والظروف البحرية المتغيرة، من ارتفاع الأمواج وتزايد فترات الهيجان وقوة الرياح، باتت تفرض امتلاك سفن أكثر متانة وقدرة على مواجهة هذه التحديات، مع توفير مستويات أعلى من السلامة للبحارة.
ورغم جودة بعض السفن الخشبية عند بنائها وفق المعايير المطلوبة، فإن طبيعة الخشب تجعله أكثر عرضة للتشقق والتآكل وتأثير الرطوبة، فضلاً عن حاجته إلى صيانة دورية مكلفة للحفاظ على جاهزيته.
تكشف التجربة الميدانية داخل الأوراش البحرية أن إصلاح السفن الخشبية يستغرق وقتاً طويلاً، خاصة عند إنجاز إصلاحات هيكلية، حيث يتطلب الأمر انتظار جفاف الأخشاب بشكل طبيعي قبل استكمال عمليات الطلاء أو التشطيب، وهي مرحلة قد تمتد لأيام أو حتى أسابيع حسب الظروف المناخية.
ويترتب عن ذلك بقاء السفينة خارج الخدمة لفترات طويلة، مما ينعكس سلباً على مداخيل المجهزين والبحارة، ويرفع تكاليف الرسو والصيانة واليد العاملة.
في المقابل، تتميز السفن الفولاذية بسرعة أكبر في عمليات الإصلاح والصيانة، إذ يمكن إنجاز أغلب التدخلات داخل الأحواض الجافة خلال فترة قصيرة، لا تتجاوز في كثير من الحالات بضعة أيام، وهو ما يسمح بإعادة السفينة إلى النشاط بسرعة وتقليص الخسائر المرتبطة بتوقفها عن العمل.
إن تحديث الأسطول الوطني لم يعد يقتصر على تطوير المحركات أو تجهيز السفن بأحدث أنظمة الملاحة، بل يبدأ من اختيار مادة البناء القادرة على توفير أعلى مستويات الصلابة والسلامة والكفاءة التشغيلية.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال التدريجي من صناعة سفن الصيد الخشبية إلى صناعة السفن الفولاذية لم يعد مجرد خيار صناعي، بل أصبح توجهاً استراتيجياً من شأنه تعزيز تنافسية قطاع الصيد البحري، وتطوير الصناعة البحرية الوطنية، وتقليص تكاليف التشغيل والصيانة، وتحسين ظروف عمل البحارة، والرفع من مستوى السلامة في البحر.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الاستثمار في السفن الفولاذية هو استثمار في المستقبل، بينما يفرض استمرار الاعتماد الواسع على السفن الخشبية مراجعة جادة في ظل التحولات المناخية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. ويملك المغرب اليوم من الإمكانات والخبرات ما يؤهله للانتقال إلى مرحلة جديدة، يكون فيها الفولاذ عنواناً لأسطول أكثر أماناً، وأكثر استدامة، وأكثر قدرة على دعم الاقتصاد الوطني لعقود قادمة.
